بريمو ليفي: الكتابة لا تُشفي دائمًا

البشر على طول حياتهم يكتشفون أن السعادة ليست ممكنة وقلة من تعتقد في العكس؛ أن الإنسان ليس بإمكانه أن يكون يائسًا كليًا. والجوهر الإنساني عالق بين عدم معرفة ما يخبئه الغد والخوف منه، وانتظار أن يكون جيدًا، الأمل في لحظة الحضيض، والخوف من الألم وقت السعادة. الموت موجود، وينتظر أن يقوم بدوره- المزدوج- دائمًا: العزاء والقهر؛ أنه – أي الموت- يضع نهاية لكل ألم ولكن أيضًا لكل فرح.

قبل ثلاثين عامًا، في تورينو بإيطاليا، فتح بريمو ليفي باب شقته الخلفي وترك نفسه للفراغ الذي لم يحمله فسقط أرضًا جثةً هامدة.
بريمو ليفي الذي عاش في جحيم أوشفيتز ونجا منه لم يجد خلاصًا له في الكتابة أو عزاءً. بريمو ليفي لم يطالب بالمغفرة أو الانتقام، لكن العدالة فقط. ورأي المعسكر باعتباره “منطقة رمادية”، فيها، الحراس والسجناء، كانوا قادرين علي الخير والشر.
في حوار مع المخرج التركي صاحب السعفة الذهبية نوري بيلج جيلان يقول: “النفس البشرية غير قابلة للتوقع إطلاقًا. أنت تذهب لمكان وفي نيتك التصرف بشكل ما، ثم تجد نفسك فجأة تتصرف بصورة معاكسة كليًا. (…) هذا النوع من المواقف دائمًا ما يثير فضولي لأنه محاولة لتلمس أسرار نفوس البشر العصيّة على التوقع. غالبًا نحن لا نقع في كثير من هذه المواقف لأننا نفرض سياجًا نحمي به أنفسنا. أنا أحاول فهم ما يدور خلف هذا السياج عبر افتراض مواقف كهذا المشهد، كما أحاول مثلًا فهم ما يدور في نفس القاتل عندما يرتكب جريمته، ليس عليك أن تقتل كي تصل لذلك، عليك فقط أن تطلق العنان لخيالك وتجعل السينما تلعب دورها في اكتشاف الإنسان”.

ليفي كتب بحيادية، بلغة بالغة الحساسية، كان كاتبًا كيميائيًا بحق، كل كلمة موزونة تمام، أفكار لامعة عن اللغة، واللغة عنده كما الكيمياء، خطيرة ولا مجال للخطأ. كتب بريمو محاولًا الرصد بحثًا عن حل وصياغة للشر الإنساني ومحاولة إدراك ماهيته، وحين فشل في التطهر من الماضي وتلاشت قدرته على تحمل ثقله، لجأ إلى الخلاص الأخير: الانتحار.

تيودور أدورنو، الفيلسوف الألماني، اعتبر أن ” الكتابة غير ممكنة بعد أوشفيتز”، لكن ليفي، الكيميائي، كتب. بدأ الكتابة بكتابه الأول ” أهذا هو الإنسان” تلاه “الهدنة”، ولم يمكن مؤيدًا أو جانحًا للصهيونية، ولم يسيس المحرقة أو أي من معسكرات الاعتقال مثل إيلي فيزيل وتسيسه الصهيوني للمحرقة، واعترض على الاجتياح الإسرائيلي للبنان (١٩٨٢) وأصدر روايته التاريخيّة “الآن أو أبدًا” التي تتطرّق فيها للجرح الفلسطيني، وأصدر قبيل رحيله “الغرقى والناجون” في عزّ صعود الموجة التحريفيّة في أوروبا، الساعية إلى إنكار وجود المحرقة. كتب أيضًا ” الجدول الدوري” والناجي من أوشفيتز” و” الصحو مرة أخرى ” وبعض القصص القصيرة والشعر.

 

أهذا هو الإنسان؟

بريمو ليفي كان ضمن حركة لمقاومة الفاشية في إيطاليا وتم اعتقاله في 1943 وانتقل من معسكر لآخر حتى استقر في أوشفيتز الذي كان يضم معتقلين من كل الجنسيات والملل وليس مقصورًا على اليهود. وسجل وقائع ما حدث في كتابه ” أهذا هو الإنسان” الذي كتبه في عام 1947 ويعتبر من أهم الشهادات بخصوص معسكرات الاعتقال وأشهرها. كتب ليفي عن الناس التي كانت مجرد هياكل عظمية ولا يشعرون بشيء، الموت نفسه كان يعيشونه ولا يفهمون معنى أو مغزى بسبب الإنهاك. لم يكونوا قادرين حتى على الفهم.
يروي ليفي أنه دخل معسكر الاعتقال وغادره غير مؤمن. كان ينتظر أمام اللجنة التي ستقرر ما إن كان سيذهب لغرفة الغاز أم أنه بصحة جيدة تسمح له بالاستمرار في العمل. أحس برغبة في الصلاة لكن لم يدم هذا الاحساس إلا ثانية، تراجع وقال لنفسه في قسوة:” لا شيء يتبدل في نهاية الشوط أو حين نكون على وشك الخسارة” ويضيف أن الصلاة في تلك اللحظة أكبر كفر يمكن أن يقدم عليه شخص مؤمن.

لحسن حظ  ليفي أنه أُرسل إلى أوشفيتز في وقت كانت نقص الأيدي العاملة قد تفاقم، ولذا كانت هناك فرصة لطول الحياة مدة أكبر.
المعسكر كان عبارة عن مربع، طول كل ضلع منه حوالي 600 متر، محاط بجدارين من الأسلاك، يمكن في أي لحظة أن يُوصل لها كهرباء عالية، المربع ينقسم إلي ستين بلوكًا خشبيًا، ومجازًا، تلك البلوكات كان ضمنها المكاتب، المستشفى، المراحيض، أماكن النوم وأماكن الطعام.
كل بلوك معزول ولا يمكن لأحد من خارج كل بلوك أن يدخله، والممرات لا تتسع سوى شخص واحد. ويتوسط المعسكر ساحة للعد، ومنطقة أعشاب معتنى بها كانوا يقيمون فيها أعمدة الإعدام وقت الحاجة. سكان المعتقلات انقسموا إلى ثلاث مجموعات رئيسية: سجناء جنائيون، سجناء سياسيون واليهود.
المعسكر كان الأكثر أهمية فيها هو البرومنت؛ أن تكون من موظفي المعسكر. الدرجة الأهم هو رئيس الهفتلنج (الأسري) وبعده، يجيء: الكابو، الطباخون، الممرضون، الحراس الليليون، وآخر درجات الأهمية هم مسؤولو المراحيض.

اللغة أعز ما يملكه الإنسان، وهي أيضًا أفقر وأقسى ما يملكه، حين تعجز عن وصف ونقل الإهانة البالغة وفقدان الكرامة والروح الإنسانية، الحضيض نفسها كلمة قد تبدو بسيطة وسطحية أحيانًا.
تصور يا أخي عجز اللغة وعجز كل شيء حتى، أمام ناس يُحملون كأشياء، جمعهم الشؤم وسوء الطالع، محشورين في شاحنة أو في عربة قطار وينتظرون المجهول أو الموت للدقة، وهم في طريقهم إلى الموت مطالبون بالصمت وعدم الإزعاج. وما إن تنفتح الأبواب تأتيهم الأوامر بلهجة بربرية من لغة غير مفهومة لهم في الغالب. سُلب منهم كل شيء: الملابس، الأحذية، حتى الشعر حلقوه لهم. لم يتبق لهم شيء. وإذا تكلموا لا أحد يصغي لهم. يؤخذ منك بيتك، عاداتك، أعزاءك يُبعدوا عنك، كل شيء، كل ما تملك. أسمائهم، سيمحونها مقابل أرقام توشم على الأّذرع، تنتظر في صفٍ طويل لتحصل على رقمك (ليفي كان اسمه/رقمه 17451) لا يُنظر إليك كإنسان، مسألتك حياتك أو موتك تحكمها المصلحة، المصلحة التي ستقدمها.

الشخصيات الموجودة على طول صفحات الكتاب ليسوا بشرًا كما يقول بريمو ليفي، إنسانيتهم دُفنت في مكان ما، أو هم دفنوها بأيديهم بسبب الإهانة التي تعرضوا لها أو سببوها لآخرين: الإس إس، القساة والحمقى، الجنائيون، الموظفون كبارهم وصغارهم، السجناء السياسيون والتجار المدنيون. الكل بلا روح إنسانية ولا يملكون أدني شفقة، المعسكر كان مفرخة لنتني الروح، طبقات فاسدة بغرابة.
يحكي بريمو ليفي أنه في مرة رأي كتلة ثلج متجمعة خلف شباك وفي متناول اليد، فتح الشباك وخلصها، وبمجرد ما إن كانت في يده حتى خطفها من يده رجل ضخم، فظ، كان يتمشى في الخارج، سأله بألمانية ركيكة: لماذا؟ أجاله الرجل: هنا لا يجوز السؤال لماذا. ودفعه إلى الداخل.
المعسكر كان ماكينة لتحويل البشر إلى بهائم. يغتسلون بماء ليس نظيفًا والاغتسال من عدمه لم يكن ليفرق، الكل بلون الطين الذين يعيشون فيه، وجوههم شاحبة، ذابلة، وعيونهم منسحبة إلى الداخل كأنها ستختفي. وكان مهمًا وصعبًا إن لم يكن مستحيلًا أن يحافظ البعض على إنسانيتهم ولو في قلب الحضيض.
جندي سابق في الجيش الهنغاري النمساوي، حاصل على وسام البطولة، اسمه شتاين لاوف كان يقول أنه إذا كان هدفهم تحويلنا إلى بهائم، فعلينا ألا نتحول إلى بهائم. في قلب هذه الوساخة يمكن أن يبقوا على قيد الحياة، وعليهم أن يبقوا أحياء، أحياء بكل ما تعنيه الكلمة، لا مجرد جثة يدخل إليها نفس ويخرج منها نفس. الثابت أنهم عبيد فعلًا، لا حقوق، لا كرامة، الموت أقرب من أي شيء بالتأكيد، لكن الحفاظ على روحهم الإنسانية كان الأهم والأعظم، والطريق الوحيد والأخير لذلك كان ألا يوافقوا على أعمالهم، ولذا كان شتاين لاوف يغسل وجهه بماء قذر، ويمسحه بمعطفه الذي نسبة الطين فيه أعلى من نسبة القماش.
خارج الموظفين في المعسكر، الأسرى كانوا يصارعون للبقاء أحياء، رغم أنه لا ضمان، لكنهم ظلوا يصارعون ضد الجوع والبرد والسأم. تعلم ليفي في تلك المرحلة أن الإنسان الذي لا يسعي لأهدافه بالطرق المناسبة، لا مجال للخطأ وحين يخطئ يدفع الثمن كاملًا.
ولأن ليفي كان كيميائيًا، الحظ نظر إليه واختاره ليلتحق بالمعمل الكيميائي، ليست مسألة لقطة بالطبع، لكنه مكان أقل عذابًا، واستثمر ذلك في توطيد علاقاته بما يشبه تجارة مقايضة وخصوصًا مسألة الشمع الذي كان يقايضه بالخبز والحساء.
فيما ارتقى ليفي ليكون على سطح الوحل، الباقي ظل مغموسًا فيه، يتنافسون فيما بينهم، يتمسكون بقوة نفوسهم ولا يسمحون لتأنيب الضمير أن يحضر، يصمدوا مقابل أعدائهم، يطوروا قدرتهم على الفهم، ويتصرفوا بصلابة في مواجهة منافسيهم، لأجل فرصة أفضل في الوحل.

كانت هناك شبكة سماسرة وتعاملات في داخل المعسكر، ما بين العمال المدنيين والممرضين وخلافه، الكل يريد أن يحصل على ملابس الضحايا وأحذيتهم. كل مساء يقف المهربين الذين يأتون بالسلع وينتظرون تحت الثلج والمطر الفرصة المناسبة. شملت التجارة: الشموع، الفرش، الصابون العادي، صابون الحلاقة، المبارد، الملاقط، الكحول، البنزين الصالح للولاعات وكل المنتجات السرية فناني وأذكياء المعتقل، كذلك الأدوية والأدوات الطبية.
تلك الشبكة المعقدة كانت تغذيها الكراهية العمياء بين قادة الإس إٍس والكي بي. ويحكي ليفي أنه – حتى لا يبدو متواضعًا أكثر من اللازم- أنه وواحد اسمه ألبرتو كانوا يسرقون لفافات الورق ويبيعونها للطبيب الرئيسي في المعسكر.
السرقات كانت منتشرة وفي العادي، بين الناس، يُعاقب السارق، في المعسكر كان يُعاقب السارق والمسروق. جيد، سيء، عادل، منطقي، طبيعي، مفردات يختلف معناها في داخل المعسكر عن خارجه.

المعسكر، إذن، بصورة كبيرة يشبه الحياة إن لم يتطابقا. المعسكر قاس؟ أليست الحياة قاسية؟ في المعسكر كان هناك الناجون، وأيضًا هناك الساقطون في الحضيض حتى النهاية. كان هناك السيئون والجيدون، الشجعان والجبناء، وألوان كثيرة فيما بينهم، غير الحظ، سوءه وحسنه.
الخوف في الحياة يكون من القوي، في المعتقل، الخوف كان مما له فرصة أكبر في النجاة، كونه سيصبح قادرًا على التحكم والسيطرة، وسيقلل من فرصهم في النجاة. والكل يحاول أن يحابي القوي ليزيد فرصه للنجاة، أو، لجحيم أقل وطأة. الصراع، قديم، وممتد، وعدم العدل هو المسيطر. الفشل سهل، لكن في المعسكر كان قاتلًا.
واحد اسمه إلياس كان مجنونًا، يسرق بفطرة وسذاجة كحيوان بري، لا يسرق إلا حين يكون واثقًا من النجاح، كما الحيوان البري الذي يهاجم فريسته في الوقت المناسب. السرقة كانت عمل حيوي له، لازم للبقاء، كما التنفس.
في نهاية صيف 1944 بدأ القصف يطول المعسكر (الحرب العالمية الثانية)، مع كل غارة بدأت الأمور تخف على المعتقلين وبطش الألمان أصبح أقل، إنزال النورماندي وتقدم الروس والإنجليز، كل تلك الأخبار كانت تبشر ببداية النهاية. لكن مع الأمل في الخلاص، كانت الفوضى بدأت تنتشر في المعسكر وينعدم الأكل والشراب القليل الذي كانوا يتحصلون عليه. لكن القلائل تشجعوا ولم يتمكن الجوع من أن يذلهم، واستغلوا الفوضى التي سببها القصف حتى يخرجوا ويتفحصوا المخازن والمطابخ.
وفي عالم المعسكر الذي زادت فيه الفوضى مع وصول بشارة قرب النهاية لا محالة، قابل ليفي لورنزو، هو العامل الميداني الذي على طول ستة أشهر قليلًا من الخبز، بعض الحساء، وأعطاه قميصًا مرقعًا، وكتب لصالحه جواب إلى إيطاليا، كان إنسانًا طيبًا وبسيطُا، لم يفكر أن يعمل معروفًا في مقابل شيء ما. يقول بريمو ليفي عنه:” إنسانيته كانت نقية وغير فاسدة. لقد وقف خارج العالم الذي كله شر. بفضل لورنزو لم أنس أيضًا أني إنسان”.

تقدم الروس، سار الفرنسيون بفرح، أشار الإنجليزي بعلامة النصر، وأصبح بريمو ليفي حرًا ولا يعرف كيف مر الوقت. بات في قلبه إيمان، غبي، وراسخ، برحمة القدر بالناس. الموت والقتل كانا خارج كل التوقعات، بالنسبة له، لكنه اقترب منهم، وقاداه إلى الأدب.

لم يكتب بريمو ليفي الكتاب إلا لغرض التوثيق والرغبة في التطهر والشفاء مما حدث (ما لم ينجح فيه). لم يكن الكتاب كاملًا من ناحية التوثيق، حيث أنه فضل إخفاء بعض الأمور بالأخص فيما يتعلق ببعض الأشخاص. حاول بريمو ليفي تسليط الضوء على النفس الإنسانية: الخوف، الوعي، اليأس، والإيمان.

شعور الواحد تجاه الإنسانية هو الرعب والشفقة. الرعب منها والشفقة عليها.
والدرس الأهم: لا تحاول أن تفهم.

الجدول الدوري

“الكمال يخص الأحداث المروية، لا الأشخاص التي عاشوها” يقول ذلك بريمو ليفي في كتابه “الجدول الدوري”.
بعد عودته/ نجاته من أوشفيتز وانتهاء الحرب، عاد ليفي إلى إيطاليا وعمل في مصنع للطلاء في تورينو ولم يغادره حتى تقاعده. ( كان يقول أنه كيميائي وليس كاتبًا)
بعد كتابه الأول والأشهر ” أهذا هو الإنسان” كتب ليفي ” الهدنة” الذي وفر الشهرة له ولكتابه الأول والذي ظل الأكثر انتشارًا.
كل ما كتبه هو سيرة ذاتية له، سيرته رغم كل ما كتبه لم تُنزع دسامة سريتها. كتب ليفي ” الجدول الدوري” عام 1975، نصوص/ قصص، حضرت فيها الكيمياء (الكيمياء التي أنقذت حياته) بصورة كلية- ليس غريبًا فهو كيميائي- كيمياء اللغة وتوظيف الكيمياء؛ حيث جاء الكتاب في 21 فصلًا حملت جميعها أسماء عناصر موجودة في الجدول الدوري المعروف: الأرجون، الهيدروجين، الزنك(…) الفضة، الفاناديوم والكربون.

استخدم العناصر الكيميائية ليتحدث عن تجاربه الاجتماعية والسياسية، ليصف الناس الذين عاشوا في حياته، وليصف نفسه كذلك، ربط المغزى بالحقائق الفيزيائية وخواص المواد. كتب عن عائلته وأصوله، أبوه، أخته آنا ماريا التي كانت أٌقرب إليه من أي أحد ولم يكتب عن أمه أي شيء. كتب عن لوسيا موربورغو، المرأة التي أصبحت زوجته فيما بعد، أصدقائه، وحبيباته.

الأرجون، الغاز الخامل، الأحادي الذرة والعديم اللون والرائحة هو أسلافه. البوتاسيوم والهيدروجين عن فترة حياته وهو طالب. النيكل عن فترة عمله في منجم للنيكل” ولكن هذه القصة لا تنتهي هنا. رغم كل السنين التي مرت، حرية المعاملات وهبوط السعر الدولي للنيكل، الأخبار عن الثروة الموجودة بالوادي على هيئة ركام يسهل الوصول إليه أشعلت خيال الناس؛ ليس بعيدًا عن المنجم، الأقبية والإسطبلات (…) الناس ما زالوا يذهبون إلى أكوام الركام، يكسرون فيها، ويعودون بأكياس محملة، يصحونها، يطبّخونها، يتعاملون معها كاكتشاف. سحر الثروة المدفونة؛ استخراج المعدن النبيل وفصل الحجارة عديمة الفائدة عنه، لم ينته بعد”.

بريمو ليفي كان خجولًا مع النساء، لم يكتب الكثيرعن الحب وعن المشاعر، مشاعره الخاصة، كان يرى ذلك أمرًا يخصه وحده حتى وإن كان قد قال أن كل ما كتبه كان عن الحب.
“الفوسفور” كتبها عن فتاة اسمها جوليا، كانت زميلة له في المختبر وفشل في لفت نظرها واستمالتها ” حجاب، نفس، رمية زهر، حولتنا إلى مسارين مختلفين، لم يكونا لنا”.
“السيريوم” كتبه عن سرقة السيريوم بينما في أوشفيتز، لبيعها للاستخدام في ولاعات السجائر، و”الفاناديوم” حول لقاء بعد الحرب مع أحد العلماء الألمان الذي عمل في أوشفيتز، البروفسير ماير الكيميائي الذي كان رئيسًا للمختبر في أوشفيتز.
“الزرنيخ”، “النيتروجين”، و “القصدير” حول مغامراته كمستشار كيميائي. و “الكروم” و “الفضة” هي قصص الأبحاث الصناعية، التي يتم حل المشاكل الكيميائية. و “الكربون”، حيث ذرة كربون تسافر عبر الكون. الكربون التي يبدو أنه كتبها عما كان وما سيكون في مصير الأرض، الكربون الذي يسافر عبر الكون، ويدخل في التمثيل الضوئي، الفحم المتكون ذرات كربون، غير كون الكربون مشابه للإنسان بصورة ما؛ فالماس والفحم ترتيبهما البلوري فيه الكربون، والإنسان فيه الخير والشر.

في “الجدول الدوري” حاول ليفي اللعب على تيمة كيف تخبرنا الأشياء عن ذواتنا، بالأخص أشياء لها قوانين ثابتة وخواص فريدة. “الناجي من أوشفيتز” ربط بين الطبيعة المادية والطبيعة البشرية، خلص كتابته من (الشوائب) التي كانت موجودة في “أهذا هو الإنسان” و”الهدنة”.  لا غضب، هدوء، على طول الكتاب، رغبة في الشفاء. حكي بقناعة أن الحكي سيطهره. حاول تسجيل خبرته الشخصية وتعاطيه مع من قابلهم، ربما يصل إلى ما كان يبحث عنه، الراحة.
“إذا كان صحيحًا أنه لا يوجد حزن أكبر من أن نتذكر وقت سعيد في حالة بؤس، فإنه صحيح كذلك أن استدعاء واحد يجلس بهدوء في مكتبه، لحظة كرب في مزاج هادئ ، مصدر ارتياح عميق “.
هل ارتاح ليفي؟ روحه قد تلوثت بالموت، لم يكن قادرًا على نزع هذا الجزء المرير من حياته، لم يجد ما يعينه على تحمل الحياة، الكتابة لم تشفه، الكتابة لا تشفي دائمًا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s